د. أكرم حجازي
صحف - 27/7/2008
كما كان متوقعا فقد انسحب جيش المجاهدين (في بيان صدر بتاريخ 2/7/2008) من تحالفاته في إطار جبهة الجهاد والإصلاح والمجلس السياسي للمقاومة العراقية. وكما كان تحالفه مع الجيش الإسلامي عاصفا حين تشكيل الجبهة فقد خلف انسحابه عاصفة أشد لدى التيار السلفي الجهادي الذي شن مناصروه هجوما عنيفا جدا على جيش المجاهدين بعد صدور كتاب له بعنوان: يا عباد الله تمايزوا – 24/7/2008 بسبب ما اعتبروه اتهامات باطلة ومغرضة ضد التيار السلفي عموما ودولة العراق الإسلامية خصوصا.
الكتاب الذي أصدره الجيش ووقع في 61 صفحة تضمن أسباب انسحابه من الجبهة وتعليقا مطولا على رد المجلس السياسي للمقاومة على بيان الجيش بالانسحاب من الجبهة. ولا شك أن انسحابه من الجبهة أدى إلى تفككها لدرجة أن بيان الرد على خطوة الجيش صدرت عن المجلس السياسي وليس عن الجبهة التي لم يعد لها وجود فعلي. ورغم أن الكتاب التمايز كشف عن تورط قوى في الجبهة والمجلس في علاقات مفضوحة مع الأمريكيين إلا أنه، في نفس الوقت، نأى بمصدريه عما اعتبرهم أهل الغلو في إشارات ضمنية مكثفة إلى دولة العراق الإسلامية وردت في اثني عشر موضعا دون أن تفلت جماعة أنصار الإسلام من البغي مع وعد بالرد على سفر الحقيقة الذي أصدرته قبل بضعة أيام من كتاب التمايز لجيش المجاهدين.
وبدا جليا من مضمون الكتاب وردود الفعل عليه أن جيش المجاهدين، في إصداره هذا، يدفع بالساحة الجهادية في العراق، شاء أم أبى، إلى مزيد من التمايز القائم على الانقسامات وتوتير الساحة أكثر مما يسعى إلى لملمة شتاتها. ولا ريب أن مثل هذا الأمر يثير التساؤل عن الدور المنتظر أن يلعبه الجيش وعن مقاصده وتوجهاته في المرحلة القادمة خاصة وأنه صنف نفسه ضمن تيار الوسط مبتعدا عن: الركون إلى الذين ظلموا أو تكفير المسلمين واستباحة دماء الأبرياء. فما هي أطروحة التمايز؟ وما هي ردود الفعل عليها؟ وأي آثار ستخلفها حرب الوثائق على الساحة الجهادية في العراق خاصة وأن قوى أخرى لم تقل كلمتها بعد؟
أُطروحة التمايز (1)
في مقارنة منهجية، على مستوى الموضوع، مع سفر الحقيقة لأنصار الإسلام فالموضوع الوحيد لكتاب التمايز اقتصر على تبرير استمرار جيش المجاهدين في تحالفاته إلى وقت متأخر. وبالتالي، وخلافا للسِّفر، لم يقدم الكتاب أية أطروحة سياسية خاصة أو عامة يمكن أن تشكل إضافة لما جاء به السفر من بيان لحقيقة الحرب على المشروع الجهادي والأطراف الداخلة فيها واستراتيجيات عملها. والملفت للانتباه أن التمايز الذي أهدي لأشخاص بعينهم هم في ذمة الله وإلى: جميع شهداء جيش المجاهدين وشهداء الفصائل جميعاً لم يجر تصديره لأية جهة كانت سواء على مستوى العراق أو على المستويين العربي والإسلامي، ولم يتضمن، في ثناياه، لا تاريخ الإصدار ولا الجهة المصدرة له. وقد تبدو مثل هذه المسائل شكلية إلا أنها تعكس أكثر من حقيقة أقلها أن جيش المجاهدين في تمايزه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطب أية جهة أخرى، فضلا عن كونه ظهر أقرب إلى التبرئة والتزكية من أي أمر آخر.
المهم أن الكتاب يعرض لخمسة أسباب (دواعي) لـ: مفارقة الجيش لتحالفاته مع جبهة الجهاد والإصلاح وكذلك مع المجلس السياسي للمقاومة الذي يضم الجبهة وجماعتي حماس وجامع العراقيتين. وهذه الأسباب هي: (1) إنكاراً للمنكر و (2) تعذر تحقيق غاية التعاون و (3) إنقاذ نور الجهاد من الانطفاء و (4) تصفية الصفوف و (5) إنقاذ إخوة من الهلاك.
بداية فقد لاحظنا أن التمايز أورد عددا من المنكرات التي دفعت بالجيش إلى المفارقة، وفي نفس الوقت لم يحدد جهات بعينها وقعت في المنكر. واكتفى بتقسيم القوى إلى ثلاثة أقسام (الأول) رجال مجاهدون ليس لهم صلة بالمحتل وهم على العهد ولم يبدلوا تبديلاً و (الثاني) كانوا مجاهدين، لكنهم وقعوا في فخ المفاوضات والهدنة، وانضموا إلى مجالس الصحوات و (الثالث) أفراد قليلون فيما نعلم قد وقعوا في الردة. وغني عن البيان أن القسمين الثاني والثالث هما من وقع عليهما الإنكار، فما الذي ارتكبوه من المنكرات؟ سؤال نطرحه قبل مناقشة الكتاب ومعاينة ردود الفعل عليه.
وقبل الإجابة يجب التنويه إلى أن الاتهامات أو المثالب أو المآخذ أو المنكرات: (1) لم ترد في التمايز بشكل منسق وثابت، فهي متناثرة على امتداد الصفحات، وزيادة على ذلك فقد (2) اتخذت صيغا لغوية متعددة كالتقرير والاستفهام والتعجب والاستنكار وحتى التهكم. وهو أسلوب خطابي ينم عن الغضب أكثر مما يبعث على الإدانة، كما أنها منكرات (3) لا تتعلق بجبهة الجهاد والإصلاح ولا بالمجلس السياسي من قريب أو من بعيد بقدر ما تتعلق بكل جماعة على حدة. وهذا يعني أن المجلس والجبهة، في مستوى القرارات الصادرة عنهما، ليستا موضع نقد. وعليه فالمنكرات حيثما وردت فهي بحق بعض القيادات وبعض الأفراد رغم أن هذا البعض يتحول في موضع آخر إلى أغلب الجماعات وليس كلها، وبحق الكثير من أفرادها وليس القليل، وهو موضوع سنعود له في مواضع أخرى. أما الآن فسنعرض لمجموعات المنكرات التي وردت التمايز. فما هي؟ وما هو مضمونها؟
المجموعة الأولى من المنكرات وردت في صورة:
1) المفاوضات التي ابتدأت منذ زمن بين الصليبيين المحتلين و بين هؤلاء. أما هؤلاء فقد وصفهم التمايز بـ : الانحراف والمنافقين لكونهم طلاب مفاوضات وصحوات، وأصحاب منهجية الهدنة مع المحتل ومنهجية الصحوات ولو في بعض المناطق.
2) وجود بعض القيادات التي تسرح وتمرح في المنطقة الخضراء والمناورة في عدم فصلهم. ومن بينهم في غرفة القيادة الرئيسية بعض قياداتكم.
3) قتال أهل الغلو بالاستعانة بالصليبيين، أو من أصبح دليلا على عورات المسلمين أو سلاحهم و نحو ذلك.
4) القعود عن الجهاد.
وبطبيعة الحال فقد وردت تفصيلات كثيرة على امتداد التمايز، لكن في تعليق الجيش على بيان المجلس السياسي للمقاومة الذي صدر ردا على بيان انسحاب الجيش وردت تفاصيل أوضح قليلا في صيغة التقرير والاستنكار على النحو التالي:
المجموعة الثانية من المنكرات أقرت أن:
5) أغلب فصائل المجلس انحرف كثير من أفرادها وخرموا بعض الثوابت الشرعية.
6) قرارات كبرى تبناها بعض قياداتكم داخل جماعاتكم في مسائل الصحوات والهدنة.
7) الدلالة على عورات أهل الغلو فلم تكن من أعمال الجبهة أو المجلس وقد بينا لكم الحق في هذه المسائل مرارا وتكرارا.
8) وعليه فإن لكم في المفاوضات مع المحتلين سعة ولو لم يكن اتفاق ولا توافق! ولكم سعة في التنازلات منفردين! ولكم سعة في المشاركة في الصحوات منفردين! ولكم سعة في الهدنة منفردين!
المجموعة الثالثة من المنكرات استنكرت:
9) إعاقة المجاهدين عن الجهاد. فـ: بأي وصف كانت الآيات تصف من يعوق شخصًا واحدًا عن الجهاد في سبيل الله؟.
10) الاستعانة بالكافر على المسلم. فـ: ما حكم الكتاب والسنة وإجماع العلماء في نصرة الكافر على المؤمن ولو كان فاسقا؟ ألم ينصر بعضكم الكافرين على المسلمين المجاهدين من أهل الغلو؟ ألم تتحقق هذه النصرة في الميدان واقعًا أم لم تتحقق؟.
11) الصمت والخيانة. ألا يوجد فيكم حتى هذه اللحظة قيادات موغلة فيما ذكرنا؟ والغريب حقا أنكم لم تتبرؤا منهم حتى الآن ... فكيف وأمر العلاقات أخذ أبعادًا ما بين بعض قياداتكم والصليبيين؟ كيف ومنهم من يتبختر في المنطقة الخضراء ذاهبًا وآيبا..؟ أتنكرون هذا أم تريدون أسماءً؟.
كل هذه المنكرات وغيرها مما لم يصرح به التمايز ألزمت الجيش بـ مفارقة التحالف خشية الوقوع في خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين خاصة بعد أن استفرغ الوسع في النصح والتبليغ. لكن هل قدم التمايز أي حكم شرعي في أية قضية طرحها بما فيها الموقف من بعض التقسيمات التي استعانت بالكفار على قتال المسلمين؟
يتبع ...
كتبها جابر محمود البستاني في 08:15 صباحاً ::

